١٤ عام على رحيل الفنان عباس المحروس..ريشة عالجت ملامح الإنسانية الرقيقة
يعتبر المرحوم عباس سعيد المحروس واحدًا من أهم الرواد المتميزين في الحركة التشكيلية البحرينية، ولد في سنة 1943 بالعاصمة المنامة، وهو أحد مؤسسي جمعية البحرين للفنون التشكيلية.
تلقى المحروس تعليمه في المدرسة الجعفرية قبل أن ينتقل لمدرسة المنامة، وبعد تخرجه التحق بأكاديمية الفنون الجميلة في بغداد، وحصل على شهادتي الدبلوم والبكالوريوس بتخصص الفنون التشكيلية.

عمل المحروس في سلك التعليم بالمجال الذي يحبه والذي تخصص فيه كمعلم للتربية الفنية، وانتقل بين عدد من المدارس في المراحل التعليمية الثلاث، قبل أن يتم تعيينه بمنصب اختصاصي مناهج التربية الفنية والمجالات العملية في وزارة التربية والتعليم.

وخلال مسيرته الفنية حصل المحروس على العديد من الجوائز والتكريمات منها الجائزة الأولى في مسابقة الصحة للملصق الصحي سنة 1968، الجائزة الأولى في معرض الفن التشكيلي البحريني سنة 1970، بالإضافة إلى المركز الأول في معرض الفنون التشكيلية العام 1972، ونال جائزة دلمون الأولى في المعرض الخامس للفنانين التشكيليين الذي نظمته وزارة الإعلام في العام 1976، وكان المحروس أحد المكرمين العشرة الأوائل من فنانين البحرين سنة 1980.
وعلى المستوى العربي، نال المحروس الشارة الذهبية من الاتحاد العام للفنون التشكيلية العرب بسوريا في العام 1981، وحصل على ميدالية معرض “بينالي القاهرة الدولي” للفن التشكيلي بالعام 1985، كما نال جائزة الدانة لمعرض الفن التشكيلي لدول الخليج العربي في الكويت سنة 1993.

تنوعت مشاركات الراحل عباس المحروس داخل وخارج البحرين، فقد شارك في معارض التشكيليين البحرينيين ، كما شارك بمعرض الفن العربي الثامن للاتحاد العام للفنانين التشكيليين العرب بالجزائر بالعام 1975، وفي معارض أسرة فناني البحرين، وكان مشاركًا دائمًا في جميع معارض التربية الفنية التي تنظمها وزارة الإعلام، علاوة على مشاركاته في عدة معارض في البحرين وخارجها، إذ كان المشرف العام لأندية الفنون الجميلة.

وجدير بالذكر أن الفنان المحروس كان عضوًا بالاتحاد العام للفنانين التشكيليين العرب، كما تم تعيينه مشرفا عاما للأنشطة الصيفية لوزارة التربية، وقد عمل محاضرًا في جامعة البحرين.

ومن بين المشاركات المتميزة للمحروس في المجال الفني، مشاركته مع كل من أحمد باقر وعبدالله المحرقي بقاعة “الاليانس” بالعام 1980، ومشاركته في المعرض الإسلامي لوزارة العدل، معرض الأسبوع الثقافي لدول الخليج (باريس)، معرض سنغافورة، معرض التأسسي، معرض الكويت، معرض بينالي القاهرة بالعام، كما تتضمن سيرته الثرية مشاركته في معرض الجمعية في لندن، بالإضافة إلى مشاركته في جدارية قلعة البحرين للاحتفال باليوبيل الذهبي لاكتشاف حضارة دلمون بالعام 2005، وبجدارية في مهرجان أصيلة (البحرين).

كرس الفنان عباس المحروس إمكانياته لتطوير الحركة الفنية في البحرين، واستطاع أن يثبت وجوده على الساحة الثقافية البحرينية، وبالرغم من مضي 14 عامًا منذ أن وافاه الأجل في 2 أغسطس 2006، إلا أن بلوحاته الراقية بقيت حتى اليوم شاهدًا على حسه المرهف، ونظرته الإنسانية العميقة.


للفنان الراحل عباس المحروس لوحات فنية (اكثر من ٦٠ لوحه) جسدت في مجملها صورا متعددة عن واقع المرأة البحرينية وتاريخها الحافل بالمنجزات وارتباطها الوثيق ببيئتها الشعبية والعادات والتقاليد التي ألفتها منذ زمن بعيد وظلت متمسكة بها حتى يومنا هذا، إذ جسدت تلك الاعمال مدى اعتزاز أبو خالد بالمرأة البحرينية وقيمتها في الحياة عبر ما تقوم به من أدوار جليلة كأم ومربية أجيال ومنتجة في مجتمعها وصانعة قرار في كثير من المواقع.
تأثَّر بالأسلوب العراقي في استحضاره التراث وتصويره للمرأة
الذكرى العشرين لوفاة التشكيلي البحريني عباس المحروس
المنامة – جعفر البدري:
مرَّت في 2 أغسطس الماضي، الذكرى العشرين لوفاة الفنان التشكيلي البحريني عباس المحروس في 2 أغسطس 2006، وكان من الرعيل الأول للتشكيليين البحرينيين، درس في بغداد والتحق بالحركة التشكيلية في البحرين، وكان في الهيئة الإدارية الأولى لجمعية البحرين للفن المعاصر.
عُرف المحروس، باستخدامه الأسلوب العراقي في استحضار التراث البحريني، وفي الوقت الذي اشتغل فيه فنان كبير آخر هو المرحوم ناصر اليوسف على هذا التراث من خلال فن الحفر، لجأ المحروس إلى الفرشاة والألوان فأضفى مساحة انعكست فيها حياة المرأة البحرينية بشكل مباشر بكل تفاصيل حياتها اليومية، في البيت، والمطبخ، والسوق ومع الجيران.
وكان أصدقاء المحروس قد أقاموا معرضا شخصيا له، الخميس 7 يونيو 2007، في مركز الفنون بالعاصمة البحرينية المنامة، احتوى على 60 عملاً فنياً توزعت بين الزيتية والمائية، بإلاضافة إلى الخزفيات فقد كان خزَّافا ماهرا، ومحاضرا في جامعة البحرين.
الرسم بألوان مختلفة
وبحسب تصريح سابق لكاتب هذه السطور، قال الفنان التشكيلي الراحل عبد الكريم العريض: ان المحروس كان يرسم التراث من خلال مدرسة معينة هي المدرسة البغدادية، فقد كان التأثير العراقي واضحاً عليه بهذا الخصوص، حيث لم يخرج عن إطار هذا المحيط، وفي الوقت الذي استطاع فيه فنانون آخرون منح لوحاتهم زخات معينة من اللون الترابي، وجدنا المحروس يستخدم اللون البرتقالي والأصفر.
المحروس كما يقول العريض: يتبع أسلوب الفنانين العراقيين مثل إسماعيل الشيخلي، حيث درس الفن العراقي في كلية الفنون الجميلة، وكان من تلامذته الذين تأثروا بتجربته، فنحن كنا واقعيين نرسم من الطبيعة، لكنه عندما عاد من بغداد رفد الحركة التشكيلية في البحرين بلون جديد، وأضاف إليها المدرسة البغدادية التي ابتدعها فائق حسن.
ويضيف العريض: رغم أن المحروس كان مقلاً في أعماله، إلا أن تأثيره كان واضحاً في الحركة التشكيلية في البحرين، حيث تأثر بعض الفنانين بطريقته في الرسم، إذ كان فناناً وخطاطاً، وكل هذه الخلفيات الثقافية أضافت الكثير إلى تجربته، وقد حاول أن يحول القصة أو بيت الشعر التراثي إلى لوحة فنية، فنرى في بعض أعماله بعض الأغاني مثل الأغنيات التي تتحدث عن آمال الفقراء بالحصول على غرفة مرتفعة.
أغوار بعيدة من التعبير
من جهته يتخذ الفنان البحريني عباس يوسف مناسبة الحديث عن المحروس، فرصة لدعوة الجهات المسؤولة لاهتمام أكبر بتجارب الفنانين الراحلين، خصوصا وان منهم من عانى من التهميش في حياته، ولا يجب التعويل هنا على الجانب الرسمي فقط، فالمؤسسات الخاصة تلعب دوراً مهماً في رفد الجوانب الثقافية والإبداعية.
ويعدُّ يوسف رحيل عباس المحروس خسارة للفن التشكيلي، فقد كان إنسانا كبيراً قبل أن يكون فناناً، ورائداً أثرى الحركة الفنية في المجالين النظري والعملي، وذلك من خلال عمله المتقدم جداً الذي ذهب فيه إلى أغوار بعيدة من التعبير والانتصار للمرأة، بوصفها إنساناً جميلاً يستحق الاحتفاء.
ويشير يوسف الى جانب مهم عند الراحل، كونه أحد الرواد الذين اهتموا بالجانب النظري، إذ كان مهتماً بالتحصيل الدراسي، وقد قطع على نفسه عهداً بالدراسة الأكاديمية وواصل دراسته في بغداد، واستمر في عمله الفني، الى جانب عمله في وزارة التربية والتعليم في البحرين، حيث ساهم في المناهج التعليمية، ولم يأل جهداً في السعي إلى تثبيت مناهج التربية الفنية سواء في التصوير أو في الخط أو الرسم، باعتباره مخرجَاً جمالياً يسهم في رفد بقية المناهج التعليمية الأخرى.
ومن مزايا المحروس أيضا كما يذكر يوسف، هدوؤه وتواضعه في علاقاته بالفنانين، كباراً كانوا أم صغاراً، فحتى عندما كان يبدي بعض الملاحظات على الرسم، كان يبدي ذلك بصورة لا تخلو من محبة أبوية، وذلك ما ترك أثرا طيبا على الفنانين القريبين منه، سواء على صعيد الساحة التشكيلية أو في العمل الوظيفي.